هل يحب لاعبو فرنسا أن يطلق عليهم “منتخب المجنسين”؟

فيديو قصير للاعبي منتخب فرنسا خلال كأس العالم، بوجبا كالعادة يظهر برقصاته على أنغام إفريقية مع زملائه كيمبيبي وديمبلي وأومتيتي وجميعهم من ذوي البشرة السمراء باستثناء جريزمان.

الكل ينشر الفيديو ويبدأ في إطلاق النكات حول هذا المنتخب الإفريقي السادس في كأس العالم، وغيرها.

ثم يبدأ الجدال الذي يظهر مع كل بطولة مجمعة يشارك فيها منتخب فرنسا، وما الجدوى من تجميع لاعبين مجنسين للفوز ببطولة… إلخ

لكن هل هذا التساؤل صحيح من أساسه؟ والأهم هل يحب هؤلاء اللاعبين أن يطلق عليهم لقب “منتخب المجنسين”؟

منتخب فرنسا في الثمانينيات، كما ترى جميع لاعبيه من ذوي البشرة البيضاء باستثناء جان تيجانا الذي ولد في باماكو لأب مالي وأم فرنسية، ينبغي علينا الإشارة لماريوس تريزور الذي لعب مونديالي 1978 و1982 والذي تعود أصوله لجزر جوادلوب.

جوادلوب مجموعة جزر تقع تحت إدارة فرنسا، ويعود أصول الكثير من نجوم الديوك التاريخيين لتلك الجزر مثل تييري هنري وتورام ولويس ساها ولاكازيت وويليام جالاس ومارسيال وغيرهم.

لكن لنعود إلى النقطة الأساسية، كيف تحول منتخب فرنسا من اللون الأبيض ليشمل باقي الأعراق، المنتخب الحالي يضم لاعبين أصحاب أصول إفريقية أو عربية وحتى أصحاب البشرة البيضاء مثل هوجو لوريس قائد الفريق والده أصله إسباني من برشلونة بينما جريزمان والده من أصول ألمانية ووالدته برتغالية حتى أن جده لأمه كان لاعبا في الدوري البرتغالي قديما.

تلك الثورة بدأت مع التسعينيات، تحديدا بعد فشل المنتخب الفرنسي في التأهل لكأس العالم 1994 كان الفريق بشكل كبير مشابه لما كان عليه في الثمانينيات، على الرغم من أن فرنسا من أوائل المنتخبات التي أشركت لاعبا من ذوي البشرة السمرة وحدث ذلك في الثلاثينيات عندما لعب السنغالي الأصل راؤول ديانيه، بقميص منتخب فرنسا بل وشارك معهم في كأس العالم 1938.

لم يكن مألوفا آنذاك أن يلعب أصحاب البشرة السمراء كرة القدم من الأساس، ففي عام 1916 تقدمت تشيلي باحتجاج رسمي ضد أوروجواي لأنها أشركت لاعبين من ذوي البشرة السمراء هما إيزابلينو جرادين وخوان ديلجادو، نفس الأمر تكرر في 1919 بسبب نفس اللاعبين أمام البرازيل.

على الجانب الآخر في أوروبا، نرى أن منتخب إنجلترا أشرك لأول مرة لاعب من أصحاب البشرة السمراء عام 1977 وكان بينجامين أوديجي الذي ولد في نيجيريا.

“فريق الأجانب”

الأمر بدأ في الاختلاف منذ أن قضى إيميه جاكيه على عصر كانتونا وجينولا، ليصبح نجوم المنتخب هم زين الدين زيدان وليليان تورام ومارسيل ديساييه ويوهان دجوركاييف وكاريمبو حتى أن الحارس الأساسي لهذا الفريق في يورو 1996 كان بيرنارد لاما، كل هؤلاء تعود أصولهم إلى إفريقيا أو مقاطعات تسيطر عليها فرنسا أو أبناء مهاجرين من شرق أوروبا.

الأمر كان كالغصة في حلق اليمين في فرنسا، لم يكن ظهور أي لاعب غير أبيض في منتخب فرنسا قضية تشغل الرأي العام حتى خرج جان ماري لوبان رئيس الجبهة الوطنية بأكثر التصريحات إثارة للجدل قائلا “لا أراه أمرا جيدا أن نجلب لاعبين من الخارج ليمثلوا فرنسا، أنت ترى اللاعبين يغنون النشيد الوطني لبلادهم من القلب بينما لاعبينا لا يعرفون النشيد من الأساس”.

الحقيقة أن هذه القضية نجح اليمين في أوروبا في إثارتها حتى تلك اللحظة، بل أن الرجل الأبيض المتعجرف متمثلا في لوبان نجح في أن يجعل الأعراق الأخرى كالعرب والأفارقة تسخر من لاعبي فرنسا العرب والأفارقة! لا تجد أحدا يسخر من جريزمان ولوريس على الرغم من أن أصولهما لا تعود لفرنسا أيضا.

جان ماري لوبان، اضطر إيميه جاكيه المدير الفني لمنتخب فرنسا أن يخرج ليقول تصريحات بديهية مثل أن لاعبي فرنسا سيدافعون عن قميص منتخب بلادهم، لكن الأمر يعبر باختصار كيف تزعزعت ثقة الفرنسيين في اللاعبين، حرب عنصرية نجح فيها لوبان – الذي كان يحقق مكاسب سياسية في ذلك الوقت – على المدى الطويل بلا شك.

والحقيقة أن تصريح لوبان كان مغلوطا، تشكيل منتخب فرنسا لم يتواجد به أي لاعب أجنبي، زيدان ولد في مارسيليا، ديساييه هاجر إلى فرنسا في الرابعة من عمره من غانا مع والدته التي تزوجت من فرنسي وهو اللاعب الوحيد الذي ولد خارج فرنسا فيهم، تورام وكاريمبو والجميع يحمل الجنسية الفرنسية، لا يمكن لأي منهم أن يمثل الديوك دون أن يحمل الجنسية كما نعلم جميعا.

الدليل الأكبر على أن الأمر طرح سياسي، أن منتخب بلجيكا لديه نفس العدد تقريبا من المهاجرين أو أبنائهم، كذلك منتخب إنجلترا الذي به عدد لا بأس به منهم.

ماذا تعني فرنسا وإفريقيا للاعبين؟

“لقد شككوا في انتمائنا لفرنسا، وكان هذا تطاولا”.

بوجبا عندما استدعي لأول مرة لمنتخب فرنسا قال “اللعب لمنتخب فرنسا حلم وتحقق، بدأت اللعب له منذ سن الـ16 والآن وصلت للأول، عندما أرتدى هذا القميص لا أنسى من أين جئت ولا أنسى جذوري”.

لاعبون فرنسيون كثيرون، بداية من زين الدين زيدان وحتى نجولو كانتي، تلقوا استدعاء واحدا على الأقل من بلادهم الأصلية، لكنهم في النهاية اختاروا فرنسا بكامل إرادتهم.

هم ولدوا في فرنسا، يتحدثون الفرنسية وثقافتهم حتى لو كانت مختلطة فهي تحمل جزءا كبيرا فرنسيا، ومن حقهم أن ينتميا للاثنين.

فوز فرنسا بكأس العالم 1998 بفضل زيدان وتورام أصحاب الأهداف الحاسمة في نصف النهائي والنهائي، لم يجعل الانتقادات تتوقف وتزايدت حدتها مع كل إخفاق للديوك، سياسيًا كان لتورام وزيدان دورا بارزا في رد الهجوم من اليمين في فرنسا على المهاجرين والأقليات.

ولعل أبرز مثال هو مساهمة زيدان في خسارة ماري لوبان لانتخابات الرئاسة أمام جاك شيراك في 2002، تصريح واحد من مدرب ريال مدريد السابق تحدث فيه عن “إحباطه لوصول رئيس الجبهة الوطنية لجولة الإعادة واحتمالية فوزه” لتسقط أسهم الأخير بقوة وتعرض لهزيمة ساحقة فقد حصد 17.8% فقط من الأصوات.

جزء من معاناة اللاعبين مع مسألة الهجرة ومن يطرحها سياسيًا هو جزء من معاناة المهاجرين بشكل عام في الدول الأوروبية ومعاناتهم من العنصرية، واعتبارهم مواطنين أقل حيثية.

لكن ما حدث أن الرياضة هنا تطورت بشكل أسرع من المجتمع كما يقول الرئيس الفرنسي السابق فرانسو أولاند، فهو يقول “كنت أنتظر بعد الفوز بالمونديال في 1998 أن يقول الناس لقد تمكن المنتخب الفرنسي من جمع الأفضل الذين يمثلون التنوع في فرنسا وبالتالي سيتم تمثيلهم في كافة الأعمال السياسية والتجارية، لكن هذا لم يحدث”.

نحن في 2018، وحتى الآن لم يواكب المجتمع العالمي بأكمله ما يفعله لاعبو المنتخب الفرنسي، ونجاحهم في الانخراط معا على الرغم من الخلفية المختلفة لكل منهم، بل لا تساعدهم الأقليات في ذلك وترديد ما يقوله اليمين في فرنسا الذي يسعى دائما للتقليل من المهاجرين وينظر لأبنائهم كمواطنين درجة ثانية.

ما يعانيه الفرنسيون، يعاني منه رياضيون آخرون، في دوري كرة القدم الأمريكية وNBA وغيرهم ممن يعيشون في مجتمعات عنصرية.

علينا الاحتفاء بهؤلاء الصغار “الفرنسيين” الذين يحاربون مجتمعهم العنصري، ويقدمون نموذجا للتعايش أفضل منه.

اترك تعليق